ابن عربي
356
مجموعه رسائل ابن عربي
منزل الفاني عن المذكور بالمذكور فإن فني عن المذكور ضرب بينه وبين صاحب المقام الأول سبعمائة ألف حجاب وأما ما يحصل له من هذه المقامات فلا يمكن أن يوصف ولا يحد إذ ليس ثمة ما يشبهه ولا ما يقاس منزل الفاني عن المذكور للمذكور لا بالمذكور وهو أعلى الفنا وهنا المنتهى وليس وراء هذا مرمى ليرام ولكن يقع فيه التفاضل بين الرسل في عظمهم والأنبياء في نمطهم والأولياء في نمطهم وكل له شرب معلوم ينال الأعلى ما نال الأدنى وزيادة وهكذا في كل منزل تقدم له فيه الحظ الأوفر ( صلّى اللّه عليهم أجمعين ) فإذا حصل في هذا المقام القلب الطاهر الفاني عن الأول والآخر ضرب الحق بينه وبين أهل المقام الثاني سبعة آلاف ألف حجاب وهذه الحجب منها نير وغير نير فالنيرات من هذه الحجب الأنوار وغير النير حجب الأسرار بخلاف الحجب النازلة عن هذه المقامات فالنير منها حجاب ملكوته الخاص به وغير النير حجب الأغيار لا الأسرار فهذا هو الفرقان بينهما ، وهذه الأسرار سترها أهل طريقتنا ونسترها كما ستروها وإنما ذكرت هذا القدر منها تنبيها للقلب المتعطش أن يعرف أن ثم مطلوبات غاب عنها فعند ما يقف عليه تحمله الهمة على طلبها فيأخذ في الرحلة إليها فربما يصل إليها إن شاء اللّه تعالى فنجده في ميزاني يوم القيامة إذ كنت المرشد له لنيل هذه المقامات فنبهت عليها بهذا القدر وسترت حقائقها وما طوي كل مقام منها وسر كما فعلت مشايخنا ( رضي اللّه عنهم ) تأسيا بهم ولو لم يكن على طريق التأسي فإن المقام يعطي ذلك بنفسه والحمد للّه رب العالمين . إعلم يا بني وفقك اللّه يكفيك من القلب هذا القدر فاسع في إزالة ما نصصته لك على ما حده لك الشرع والإنصاف بتلك الأوصاف المحمودة حتى يحصل هذا المقام وأضربنا لك الكلام عن الأسرار حجب القلب من الغين والران والعمي والصداء والكن والقفل وغير ذلك ومراتبها وأسباب الزفرات والوجبات وغير ذلك وهذه كلها إذا أردت أن تقف عليها فطالع كتابنا الموسوم بمنهاج الارتقاء أو عقلة المستوفز واللّه يحملنا وإياك على منهج الإستقامة فإنها أكبر الكرامة والحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن وأعقبنا بعد السهاد لذيذ الوسن ولم يحجبنا عن آياته الطيبة المحتد بخضر الدمن إنه الجواد المنعم ذو الآلاء والمتن وصلّى اللّه على سيدنا محمد من أرشد إليها في السر والعلن والحمد للّه وحده في كل أوان وزمن .